تفسير ابن كثير تفسير الصفحة 431 من المصحف



تفسير ابن كثير - صفحة القرآن رقم 431

431 : تفسير الصفحة رقم 431 من القرآن الكريم

** قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ قُلِ اللّهُ وَإِنّآ أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلَىَ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مّبِينٍ * قُل لاّ تُسْأَلُونَ عَمّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبّنَا ثُمّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِيَ الّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللّهُ الْعَزِيزُ الْحْكِيمُ
يقول تعالى مقرراً تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضاً, فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض, أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله, فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل, والاَخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال, بل واحد منا مصيب, ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى, ولهذا قال: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين والله ما نحن وإياهم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد. وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين.
وقوله تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} معناه التبري منهم, أي لستم منا ولا نحن منكم, بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له, فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم, وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا, كما قال تعالى: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون}. وقال عز وجل: {قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد * ولا أنا عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون ما أعبد * لكم دينكم ولي دين}.
وقوله تعالى: {قل يجمع بيننا ربن} أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد, ثم يفتح بيننا بالحق, أي يحكم بيننا بالعدل, فيجزي كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر, وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية كما قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون * فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون * وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الاَخرة فأولئك في العذاب محضرون} ولهذا قال عز وجل: {وهو الفتاح العليم} أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور.
وقوله تبارك وتعالى: {قل أروني الذين ألحقتم به شركاء} أي أروني هذه الاَلهة التي جعلتموها لله أنداداً وصيرتموها له عدلاً {كل} أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: {بل هو الله} أي الواحد الأحد الذي لا شريك له {العزيز الحكيم} أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء, الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره, تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علواً كبيراً, والله أعلم.

** وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاّ كَآفّةً لّلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىَ هَـَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ لاّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ
يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذير} أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميع} {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذير}, {بشيراً ونذير} أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} كقوله عز وجل: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله}.
قال محمد بن كعب في قوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} يعني إلى الناس عامة. وقال قتادة في هذه الاَية: أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم, فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم لله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني, حدثنا حفص بن عمر العدني, حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة, قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يا ابن عباس فبم فضله على الأنبياء ؟ قال رضي الله عنه: إن الله تعالى قال: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم} وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر, وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل, وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة» وفي الصحيح أيضاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعثت إلى الأسود والأحمر» قال مجاهد: يعني الجن والإنس. وقال غيره: يعني العرب والعجم, والكل صحيح.
ثم قال عز وجل مخبراً عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وهذه الاَية كقوله عز وجل: {يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق} الاَية, ثم قال تعالى: {قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} أي لكم ميعاد مؤجل معدود محرر لا يزاد ولا ينقص, فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم كما قال تعالى: {إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر} وقال عز وجل: {وما نؤخره إلا لأجل معدود * يوم يأتِ لا تلكم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد